مجمع البحوث الاسلامية

434

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وجعلها فصولا بالنّظر إلى بعضها مع بعض . أو لأنّ كلّ آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصّفة ، وهذا تراخ وجوديّ ، ولمّا كان الكلام من السّائلات كان زمانيّا أيضا ، ولكنّ الزّمخشريّ آثر التّراخي في الحال مطلقا حملا على التّراخي في الإخبار في هذين الوجهين ، ليطابق اللّفظ الوضع ، وليظهر وجه العدول من الفاء إلى « ثمّ » ، وإن أريد الثّالث وبالتّفصيل أحد الطّرفين فرتبيّ وإلّا فإخباريّ . والأحسن أن يراد بالإحكام الأوّل وبالتفصيل أحد الطّرفين ، وعليه ينطبق المطابقة بين ( حكيم ) و ( خبير ) و ( أحكمت ) و ( فصّلت ) . ثمّ قال : ومنه ظهر أنّ التّراخي في الحال يشمل التّراخي الرّتبيّ والإخباريّ انتهى . فليتأمّل . وقرئ ( أحكمت ) بالبناء للفاعل المتكلّم ، و ( فصلت ) بفتحتين مع التّخفيف . وروي هذا عن ابن كثير ، والمعنى ثمّ فرقت بين الحقّ والباطل . وقيل : ( فصلت ) هنا مثلها في قوله تعالى : وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ يوسف : 94 ، أي انفصلت وصدرت . « لاحظ ف ص ل : « فصّلت » . ( 11 : 203 ) ابن عاشور : والإحكام : إتقان الصّنع ، مشتقّ من الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف . وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الإخلال الّتي تعرض لنوعها ، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ، ومن إخلال المعنى واللّفظ . ( 11 : 199 ) مغنيّة : والمعنى أنّ هذا القرآن واضح المعاني محكم النّظم ، لا نقص فيه ولا خلل ، لأنّه ممّن يقدّر الأمور ويدبّرها على أساس العلم والحكمة . قال بعض العارفين : إنّ للّه كتابين : واحد تكوينيّ ، وهو هذا الكون ، والآخر تدوينيّ ، وهو القرآن ، وكلّ منهما محكم من جميع جهاته على أتمّ الوجوه وأكملها . ( 4 : 204 ) الطّباطبائيّ : المقابلة بين الإحكام والتّفصيل - الّذي هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشّيء المتّصل بعضها ببعض - والتّفرقة بين الأمور المندمجة كلّ منها في آخر تدلّ على أنّ المراد بالإحكام ربط بعض الشّيء ببعضه الآخر ، وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر ، بحيث يعود الجميع شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض . ومن المعلوم أنّ الكتاب إذا اتّصف بالإحكام والتّفصيل بهذا المعنى الّذي مرّ فإنّما يتّصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون ، لا من جهة ألفاظه أو غير ذلك ، وأنّ حال المعاني في الإحكام والتّفصيل والاتّحاد والاختلاف غير حال الأعيان ، فالمعاني المتكثّرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو الأصل المحفوظ في الجميع ، وهو بعينه على إجماله هذه التّفاصيل ، وهي بعينها على تفاصيلها ذاك الإجمال . وهذا كلّه ظاهر لا ريب فيه . وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أوّلا ثم مفصّلة ثانيا ، معناه أنّ الآيات الكريمة القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى معنى واحد بسيط ، وغرض فارد أصليّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت ، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة